
صدى الولاية |كتب: حسن علي طه
يحدث في فيلم التيتانيك، وبينما تصطدم السفينة بجليد الجليد وتبدأ المياه بغمر مقصوراتها، يكون هناك حفل موسيقي على سطح السفينة، وفي لحظة انشطار السفينة تبقى الفرقة الموسيقية تعزف الألحان وكأن شيئًا لم يحصل، ولا يحاول أفرادها النجاة حتى يتساقطوا واحدًا تلو الآخر ويموتون عن آخرهم.
هذا هو حال بعض من هم في مقدمة القيادة.
عام 2019، تمّت تصفية بنك الجمال على خلفية العقوبات الأميركية، ونفّذ مصرف لبنان الإجراءات بحذافيرها، فيما التزم وزير المالية حينها الصمت.
وقد أثارت المعلومات التي جرى تداولها عن البنك تساؤلات حول مصادرها، والدور الذي أدّاه مصرف لبنان في هذا الملف.
مرّ الموضوع دون ردّ فعل سياسي بحجم خطورته، ودون موقف يحذّر من التمادي في هذا النهج أو ينذر بعواقب الاستمرار فيه.
ومنذ أيام، أُعلن عن سحب ترخيص بنك صادرات إيران، الذي كان يُعتمد عليه في عمليات المقاصة وتسديد المستحقات المالية للعديد من المؤسسات، ومنها مستشفى الرسول الأعظم وLMC.
وسبق ذلك قرار السلطة وقف رحلات الطيران الإيراني إلى لبنان، وفي الحالتين كانت ردود الفعل خجولة، وكأن ما يجري لا يستدعي موقفًا حازمًا.
واليوم، هناك تعميم صادر عن حاكم مصرف لبنان يمنع موظفي المصرف من التعامل الاستشفائي والطبي مع مستشفى الرسول الأعظم وLMC.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام قرارات منفصلة، أم أمام نهج متدرّج يستهدف التضييق على مؤسسات بعينها، فيما يكتفي ممثّلوها السياسيون بالصمت والمراقبة؟
وإلى متى سيستمر الفريق السياسي الذي يمثّل هذه المؤسسات في دفن رأسه في التراب كالنعامة، أو الوقوف كشاة تُساق إلى الذبح؟
وأين هو وزير المالية الذي خاض حزب الله معركة سياسية طويلة من أجل أن تكون هذه الوزارة من حصة الطائفة الشيعية؟
وأين دوره في مواجهة هذه الإجراءات، أو على الأقل في مساءلة حاكم مصرف لبنان عن أسبابها ومبرراتها وانعكاساتها؟
وهل أصبحت الوزارة التي جرى التمسك بها تحت عنوان حماية حقوق الطائفة عاجزة حتى عن إصدار موقف يحمي مصالح مؤسساتها؟
أم أن وزير المالية يصرّ على تكرار قرار الثاني من آذار المتعلق بالمقاومة، وتصريحه في إحدى مقابلاته بأن الحرب هي بين إسرائيل وحزب الله، ولا علاقة للبنان بها؟
أليس من حق الجمهور الذي يُفترض أن الوزير يمثّله أن يسأله عن حدود مسؤوليته الوطنية والسياسية؟
وهل يقدّم وزير المالية، الطامح إلى رئاسة مجلس النواب، أوراق اعتماده للعدو؟
إن المشكلة لم تعد في قرار مصرفي هنا أو إجراء إداري هناك، بل في السؤال الأكبر: ما جدوى التمثيل السياسي إذا كان عاجزًا عن حماية مصالح الناس والمؤسسات التي يدّعي تمثيلها؟
وإذا استمر تعاطي الطبقة السياسية في حزب الله بالنَّفَس نفسه الذي تعاطت به مع إنجازات المقاومين في الميادين، فعلى الدنيا العفاء!
فالصمت عن إجراء اليوم قد يفتح الباب أمام إجراءات أشدّ غدًا.
وقد نجد أنفسنا أمام توسيع دائرة التضييق لتشمل مؤسسات أخرى، من شركة طيران الشرق الأوسط إلى المؤسسات العسكرية من جيش وقوى أمن وأمن عام، وشركات التأمين، وصولًا إلى مستحقات الضمان الاجتماعي.
وليس مستبعدًا، إذا استمر هذا النهج، أن تطال الإجراءات مؤسسات إعلامية وتربوية كبرى، كتلفزيون المنار وإذاعة النور ومدارس المهدي، سواء من خلال علاقتها بالضمان الاجتماعي أو عبر قيود إدارية ومالية أخرى، وسحب تراخيص عبر الوزارات المعنية.
وهنا لا بدّ من التذكير بما يُثار عن التضييق ورفض خريجي مدارس المهدي في الوظائف العامة، وهو ملف يستوجب بدوره توضيحًا ومساءلة.
إنها مخاوف لا يجوز التعامل معها باستخفاف، لأن ما يبدأ بإجراء محدود قد يتحوّل، في غياب الاعتراض والمحاسبة، إلى نهج يصعب التراجع عنه.
وفي وقت يُحكَم فيه الخناق حول أعناق جمهور المقاومة، نجد ساسة هذه المقاومة وقد أصابهم داء النعامة.
والأخطر من القرارات نفسها أن يتحوّل الصمت عنها إلى سلوك سياسي دائم، وأن يصبح الحفاظ على المواقع والمناصب أهمّ من الدفاع عن مصالح الناس.
كفى صمتًا، لأن الصمت حين يصبح غطاءً للظلم يقترب من التآمر!
كفى كسلًا، لأن التخلّي عن المسؤولية لم يعد مقبولًا!
لقد آن أوان الصحوة من اليُتم السياسي، وتحمّل المسؤولية التي من أجلها مُنحتم ثقة الناس.
فالمواقع السياسية ليست مكافآت، والوزارات ليست غنائم، والتمثيل النيابي والوزاري ليس امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية تقتضي المحاسبة والمواجهة السياسية حين تتعرض مصالح الناس للخطر.
وإذا كانت المقاومة قد قدّمت التضحيات في الميدان، فليس من حق أحد أن يبدّد نتائجها أو يفرّط بمصالح جمهورها على طاولة السياسة.
وإلّا، فأنتم ما عدتم تمثّلون طموحات الناس، والأولى بكم أن تذهبوا إلى بيوتكم.